أحدث الإضافات

بيع عشر مروحيات أمريكية للإمارات ب830 مليون دولار
غرق "دبي مول" وشوارع رئيسية في المدينة بالأمطار يثير غضب إماراتيين
الرئيس الإماراتي يصدر مرســوماً بتشكيل أعضـاء "الوطنـي الاتحـادي"
شركات إسرائيلية تطرح عروضاً لتشجيع السياحة إلى دبي بدلاً من سيناء
مصر تسدد 105 ملايين دولار من مستحقات دانة غاز الإماراتية
رئيس مجلس النواب الليبي في طبرق يجري زيارة عمل رسمية للإمارات
انسحاب أمريكا يربك أقاليم عديدة
87 من علماء المسلمين يدعون لمقاطعة الإمارات سياسياً واقتصادياً
الإمارات في أسبوع.. "أكذوبة التسامح" وأزمات الاقتصاد والسياسة الخارجية تتوسع
الإمارات تدعو إيران إلى التفاوض مع القوى العالمية ودول الخليج
أي سلام ينشده ولي العهد السعودي في اليمن؟
محمد بن زايد يبحث مع رئيس إقليم كردستان التطورات في العراق
تحقيق يكشف وجود طائرات مسيرة إماراتية بقاعدة جوية لحفتر
إيران تصف العلاقة مع الإمارات بالـ"جيدة جداً" وتطالب الأسطول الأمريكي بمغادرة الخليج
تراجع الأصول الأجنبية للإمارات 0.8% في الربع الثالث من 2019

المركب العربي التائه في بحر الظلمات

أحمد القديدي

تاريخ النشر :2019-06-14

من المفردات العربية المتداولة في أثناء الهزات التي تعيشها ثورات الربيع العربي الثاني في الجزائر عبارة (قاع)، التي تعني (كلهم) أي رحيل كل الطبقة القديمة من السلطة. و ما تزال الجزائر كالمركب الضائع بين الأمواج. وعبارة (البشير وأزلامه) في السودان بمعنى مطالبة المجتمع المدني بالحرية والتغيير، ونرى أن العسكر يريد الحفاظ على امتيازاته ولا يتردد في انتهاج المثال المصري بقتل المعتصمين!


هذه العبارات الجديدة عوضت مصطلح (العزل والخلع) وهما في لسان العرب يعنيان فصل شيء عن شيء والتفريق بين أمر وأمر، وقد وردتا في الأدب العربي بهذا المعنى مجازا وواقعا، أما استعمال هذه المصطلحات الراديكالية المشروعة الجديدة في هذه المرحلة، فتدل على رغبة الشعوب في عزل حكام عرب أطالوا البقاء في الحكم، وهم رؤساء جمهوريات يفترض أن يتداول الناس فيها على السلطة بالانتخاب، وليسوا ملوكا استقرت شرعيتهم على حقائق التاريخ ووفاق الشعوب، فكانت بصراحة شؤون ملكهم أفضل مما أعلن من أنظمة جمهورية ليس لها من الجمهورية بالمعنى الأفلاطوني سوى الاسم، وأناخت على صدور الناس بالقهر والتحايل على الدساتير بتوريث الأبناء والأصهار، وتحكيم العصابات في المؤسسات.

 


هكذا عرفنا العزل والخلع أول ما قامت الثورات، ثم تحولنا إلى قوانين سنها الحكام الجدد تنادي بعزل ما سموه الفلول في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، وتوسعت هذه القوانين أو مشاريعها لتشمل بالعزل وزراء ومديرين وموظفين سامين خدموا الدولة كدولة، ولم يسرقوا ولم يجرموا، فكان جزاؤهم الظالم كنوع من العقاب الجماعي الذي أخل بقاعدة قرآنية كريمة، هي (ولا تزر وازرة وزر أخرى) و(كل نفس بما كسبت رهينة)، فزج بعدد من الأبرياء في السجون دون محاكمات، وبلا شك حوسب الظالمون أيضا على ما اقترفوه، لكن توسيع رقعة العزل باستمرار على هوى الأحقاد وتصريف الانتقام، أدى إلى عديد المظالم واستسلمت السلطات الجديدة إلى ما يسمى بنبض الشارع، وإلى الكتائب المسلحة المحيطة بمقرات الوزارات كما في ليبيا، أو إلى إرادة مليشيات فوضوية تتصرف حسب إشاعات الفيسبوك، فكادت بعض دولنا أن تنهار بسبب انعدام الاستقرار ونقص الكفاءة، وتفشي التشفي والرمي بمجرد الظن، وكأن الأنموذج العراقي الكارثي لم ينفع للتدبر والاعتبار حين دمر الأمريكان الدولة العراقية عوض تحطيم منظومة القهر البعثي، فلم يبق للعراق لا جيش قوي منضبط، ولا إدارة ناجعة فعالة، ولا جامعات علمية، ولا متاحف، ولا مشاف، ولا نفط. فكان العزل في العراق عزلة للعراق، وإلى يوم الناس هذا لم تقم للدولة قائمة حيث انقسم العراق إلى طوائف وأعراق ونحل وملل وأقاليم، وهاجر من هذا البلد الأمين أربعة ملايين عراقي، بينما تنتج أرضهم جميع الخيرات من النفط إلى الزراعة إلى الصناعة إلى أعلى نسبة في إبداع الفكر.

 


في ليبيا خضعت حكومة هشة لتهديد السلاح المرفوع على الشاحنات، فصادق مجلسهم المنتخب على قانون العزل، وطال هذا القانون حتى محمد المقريف رئيس المجلس نفسه، فاستقال الرجل وهو دامع العينين أمام تصفيق حار، وقوفا من زملائه الذين يكنون له فائق التقدير. ولم ندرك أسرار هذه الأعمال التي لم نعرف بالضبط من يحركها، لكننا على يقين من أن حرمان الدولة المستقبلية الليبية من كفاءات مناضلة خدمت الدولة لا القذافي، وحافظت على مصالح ليبيا لا مصالح "الفاتح العظيم"، هو حرمان جائر سيفتح الباب أمام المتهورين اللابسين لبوس الثورة، وأتى هذا القانون بقذافي ثان عديم الخبرة موفور الطموح وهو خليفة حفتر، ليكرر نفس مصائب العقيد بإلغاء الدولة وتعويض المؤسسات بلجان أخرى شعبية أو ثورية، وبتمويلات أجنبية تعيد المهزلة ذاتها لا قدر الله.

 


وفي تونس ومصر دار جدل واسع حول التوجه نفسه، فتقدمت بعض أطياف السلطة الجديدة بقانون سمي في تونس قانون التحصين السياسي للثورة، وهو سير في طريق مجهولة نحو مظلمة تسلط على البعض، حتى لو أصابت بالعدل بعض من أساؤوا للشعب وناصروا الاستبداد وسكتوا عن الفساد. فجميع من كانوا يسيرون خلايا الحزب الحاكم المنحل ليسوا جميعا لصوصا أو طغاة، بل كان بعضهم يعمل لتوفير مدرسة أو مستشفى أو إعالة معوزين أو علاج مرضى أو رعاية مسنين ومعاقين.

 

هؤلاء عرفت بعضهم وهم يحملون صفة حزبية لا يهمهم منها سوى ما يعتقدونه أداء خدمة لمواطنيهم في الأرياف والمناطق البعيدة عن مراكز المدن. وينادي العقلاء من التونسيين بإحالة كل حالة مسترابة على القضاء المستقل العادل، وتلك رسالته وغايته حتى ينصف الناس من شر الناس، ويجازي كل مسيء بإساءته دون تعريض أبرياء لعقاب جماعي، طالما كابده الحكام الحاليون في عهود سابقة وأدانوه معلنين أن لا ظلم بعد اليوم.

 


أما في مصر، فقد انقسمت النخبة السياسية بعد 2011 إلى شق يريد الانتقام ممن اعتقد أنهم ظلموه، وشق يحبذ طي الصفحة بآلامها وتدشين عهد جديد لا يشوبه حقد. وبينما ما يزال الجدل قائما بين الفريقين وهو من صنف الجدل المضر بمصالح مصر، تفاقمت أخطاء الإخوان وانقض على السلطة عسكري هو السيسي، في غفلة من المصريين وبتشجيع من اليمين الإسرائيلي والغربي. ولا يختلف الأمر في تونس وليبيا واليمن عن الحالة المصرية، حيث انتشر مناخ من الخوف من القوانين (العازلة) التي يبدو أنها تهب على بلادنا كرياح محفوفة بالمخاطر، بالرغم من نوايا أصحابها الباحثين عن العدالة الانتقالية كسائر التحولات الكبرى وما يعقبها من هزات.


والرأي عندي، أن الدول الجديدة لا تؤسس إلا على النواة السليمة للدول السابقة، أي على ما ظل منها محايدا وعادلا ومهنيا. الحالة التونسية اليوم وهي على أبواب انتخابات مصيرية لا تدعو للاطمئنان، فقد تهافت بعض المتسلقين المترشحين على التمويل الأجنبي بطرق مبتكرة، وهم مستعدون لا لخدمة تونس بل لخدمة أجندات الدول التي مولتهم، ومع الأسف فإن منظومة الإعلام انخرطت هي الأخرى في هذا (السيستم)، وزينت للناس وجوها بهلوانية طالما هرجت الشعب في سيرك الاستبداد، ثم استعارت أقنعة واعظين وواعظات للانقضاض في أكتوبر القادم على سلطة شعب مضطهد وتائه، كأنه المركب بلا بوصلة في بحر هائج مائج.


حمل الموضوع كملف PDF طباعة الموضوع

مواضيع ذات صلة

العرب وتبعات انحسار الحقبة الأميركية

العالم العربي: الثورة مستمرة

لماذا ثار العرب ضد نخبهم السياسية الحاكمة؟