طليب وعمر… وتآمر نتنياهو وترامب لمحاربة الحريات

 

قيام إسرائيل بمنع النائبتين الهان عمر ورشيدة طليب من دخول فلسطين المحتلة تأكيد لمدى الخوف الذي يعتري قيادة إسرائيل من الأصوات النقدية. لكن قيام الرئيس الأمريكي ترامب، بمطالبة إسرائيل بمنع دخول النائبتين، يوضح لأي مدى يتطور التداخل المعادي للحريات والديمقراطية بين هذه الإدارة الأمريكية وإسرائيل.

 

بل يمكن تخيل سيناريو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو أراد منع النائبتين، لكنه خشي من أثر المنع على العلاقة مع الكونغرس الأمريكي. يبدو أن نتنياهو إتفق مع الرئيس ترامب على أن يكون المنع بطلب منه. وقد سبق للسفير الإسرائيلي في العاصمة الأمريكية أن أعلن قبل المنع أن إسرائيل تستوعب الآراء السياسية النقدية. 

 

لكن قرار المنع الإسرائيلي عاد وأكد مدى عجز إسرائيل ومعها إدارة ترامب عند مواجهة الآراء التي تنتقد الاحتلال والعنصرية الإسرائيلية والاستيطان.
وهنا يبرز التساؤل: ما الذي يخيف إسرائيل، المسلحة حتى النخاع، من نائبتين مسلمتين في الكونغرس الأمريكي؟

 


الواضح أنه لدى إسرائيل الكثير لتخفيه عن الأمريكيين والعالم. يكفي أن النائبتين ستريان وستنقلان أثناء الجولة في فلسطين المحتلة كيف تقيم إسرائيل كيانها على أراضي فلسطين، ويكفي أنهم مع الوفد المرافق سيرون بالعين المجردة كيف تستوطن إسرائيل الأرض على أساس عنصري ديني. ستريان بالتفاصيل كيف تحتل إسرائيل الضفة الغربية والقدس الشرقية وكيف تحاصر غزة من الوريد للوريد. ستريان في كل زاوية كيف تضطهد إسرائيل وتقمع الفلسطينيين وكيف تبني الجدران الفاصلة التي تشبه جدران القرون الوسطى.

 


وبالطبع هناك فارق في تجربة النائبتين، فلو كتب للنائبة رشيدة طليب الذهاب، فستلتقي جميع اقربائها الفلسطينيين وستتحدث إليهم وستسمع تجاربهم تحت الاحتلال العنصري وقد يغطي الإعلام الأمريكي جزءا من تلك الزيارة والحوارات المرافقة لها.

 

إن النائبة طليب من عائلة فلسطينيية عانت ولازالت تعاني من النكبات التي مرت على فلسطين، وهي لذلك تعي الكثير من التفاصيل حول تحويل فلسطين لإسرائيل. أما النائبة إلهان عمر، فكانت الزيارة ستمدها بالكثير من المعرفة عن أدوات القمع الإسرائيلي وعن التاريخ والحاضر.

 

بل ستربط إلهان عمر، ببراعتها المعروفة، بين ما يقع في فلسطين وما يقع في العاصمة الأمريكية من ارتهان للقرار الأمريكي لمجموعات من اللوبي الإسرائيلي.
و يمثل المنع، وهو الأول من نوعه لعضو في الكونغرس الأمريكي، حالة متقدمة من الصراع.

 

النائبتان ستكونان في مراحل قادمة أكثر إصرارا على مواجهة اللوبي الصهيوني وكل ما يرتبط به، كما أنهما ستكونان أكثر قوة في تحدي السياسات الإسرائيلية التي كشفت عن نفسها من خلال حادثة المنع. إن عدم مقدرة النائبتين على زيارة فلسطين، سيتحول بحد ذاته لحالة بحث مستمرة عن المظالم التي تمارسها الصهيونية بكل تعبيراتها الاستيطانية والاستعمارية.

 

إن قيام إسرائيل بمنع النائبتين من دخول فلسطين سيجعل الناس تسأل المزيد من الأسئلة حول حقيقة الصراع في فلسطين، سوف تسأل الناس عن الأسباب التي تدعو دولة كإسرائيل للتخوف من نائبتين ملونتين تمثلان مناطق لا يتجاوز عدد سكانها بضعة ملايين. 

 

إن تصريح الفنان والمغني والشاعر المعروف «جون ليجند» حول المنع، وتصريح المرشح الرئاسي اليهودي الديانة الرافض للمنع يصب في استنزاف الصورة الإعلامية لإسرائيل.

 

المنع يكشف مدى هشاشة الموقف الإسرائيلي ومدى خوف إسرائيل من انكشاف ظهرها عالميا إسوة بما حصل لجنوب افريقيا. ان اكثر ما يخيف إسرائيل أن يرفع الغطاء عنها عالميا لتفقد امتيازات سعت لتثبيتها بصفتها «واحة ديمقراطية» وسط عالم عربي استبدادي. إن كشف حقيقة إسرائيل أمام العالم وقصة احتلالها لفلسطين بكل ما فيه من تجاوزات وخبث هو الذي يخيف دولة إسرائيل. 

 

إن أحد أكثر العوامل تأثيرا على دولة الكيان الإسرائيلي قيام مجموعات أمريكية جديدة ذات قواعد شعبية بمقاطعة الشركات التي تتعامل مع إسرائيل وخاصة التي تتعامل مع الاستيطان.

 

ولهذا بالتحديد تتحرك القوى المؤيدة لإسرائيل في الساحة الأمريكية لتجريم حركة المقاطعة الشعبية المعروفة باسم BDS، كما يتحرك السياسيون الأمريكيون المؤيدون لإسرائيل من خلال معزوفة قديمة مفادها أن «إسرائيل معتدى عليها وأنها دولة صغيرة بحجم أصغر الولايات الأمريكية، وان الموقف العربي منها هو عداء للسامية.» كل ذلك هدفه إيقاف الاصوات النقدية التي تشبه صوت إلهان عمر وصوت رشيدة طليب. الهدف الحقيقي منع الحقيقة من الظهور.
ان عقدة الدولة الصهيونية تجاه الاختلاف وتجاه سكان البلاد الأصليين هو الذي يمنع الإسرائيليين كأفراد ومجتمع من تحقيق السلام، إن عقدة الصهيونية هي أصل المشكلة لتناقضها مع الأماني الطبيعية لسكان البلاد الأصليين.

 

ففي إسرائيل الرسمية التي قامت عام 1948، 20٪ من العرب، وفي الأراضي التي تحتلها إسرائيل في الضفة الغربية والقدس ملايين العرب وهم الأغلبية المطلقة في تلك الأراضي. إن الوجود العربي يعادل الوجود اليهودي على أرض فلسطين التاريخية. 

 

لهذا فالسعي للتهويد وللنقاوة العنصرية في وطن الفلسطينيين التاريخي هو الذي يجعل من الحركة الصهيونية ذلك الأخطبوط الذي يخلط الدين بالكراهية، ان الحركة الصهيونية حبست نفسها في صندوق يجعل كل نقد ومعارضة لها حالة من حالات اللاسامية.


الشعب الأمريكي شعب يحب التساؤل والأمريكيون لديهم قابلية للاستماع للجديد، وهذا ما يتناقض مع جماعات اللوبي وجماعات المصالح التي لا تتأثر آراؤها بالوقائع والحقائق.

 

ان الشخصيات التي تنتقد السياسات الإسرائيلية والسياسات الأمريكية المتحالفة مع إسرائيل في الساحة الأمريكية، كإلهان عمر ورشيدة طليب، هم الأقدر على فتح مساحة النقاش وإثارة الأسئلة الصعبة حول إسرائيل والصهيونية ومدى الظلم الذي تمارسه

رابط الموضوع: http://www.emasc.org/news/view/15633